ابن الجوزي

61

كشف المشكل من حديث الصحيحين

فكتب الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كتابا ، فيه أن يرده إليهم على ما اصطلحوا عليه ، وبعثاه مع خنيس بن جابر ، فخرج خنيس ومعه مولاه كوثر ، فدفعه إليهما فخرجا به ، فلما كانوا بذي الحليفة عدا أبو بصير على خنيس فقتله ، وهرب كوثر حتى قدم المدينة ، فأخبر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، ورجع أبو بصير فقال : وفت ذمتك يا رسول الله ، دفعتني إليهم فخشيت أن يفتنوني عن ديني فامتنعت ، فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لكوثر : « خذه فاذهب به » فقال : أخاف أن يقتلني ، فتركه ورجع إلى مكة ، فأخبر قريشا ، وخرج أبو بصير إلى العيص فنزل ناحية على طريق عير قريش إلى الشام ، فجعل من بمكة من المحبوسين يتسللون إلى أبي بصير ، فاجتمع عنده منهم قريب من سبعين ، منهم أبو جندل والوليد ابن الوليد ، فجعلوا لا يظفرون بأحد من قريش إلا قتلوه ، ولا بعير لهم إلا اقتطعوها ، وكتبت قريش إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير وأصحابه إليه فلا حاجة لنا بهم ، فكتب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى أبي بصير أن يقدم عليه مع أصحابه ، فجاءه الكتاب وهو يموت ، فجعل يقرأه ويقبله ويضعه على عينيه ، فمات وهو في يده ، فغسله أصحابه وصلوا عليه ودفنوه هناك ، ثم قدموا على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأخبروه ، فترحم عليه ( 1 ) . فإن قال قائل : كيف حسن أن يرد مسلما إلى الكفار ؟ فالجواب : أن أبا بصير هذا كانت له عشيرة وموال يذبون عنه ، ثم غاية ما يحملونه عليه التكلم بالكفر ، وذلك جائز على جهة التقية على ما بينا في قصة أبي جندل في مسند سهل بن حنيف .

--> ( 1 ) ينظر : « تاريخ الإسلام - المغازي » 373 ، 400 .